ابن عربي
351
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لا كلفة عليها إلا إذا كانت صاحبة غرض ، فكلفت بما لا غرض لها فيه ، ولهذا لم يعذر
--> مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ » على جهة الوعظ لكم لتزدجروا وتنتهوا وتقفوا عند حدوده ، ثم قال : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » في ذلك أي في كل ما ذكرناه « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ » تعملونه وتضمرونه في قلوبكم من خير وشر « عَلِيمٌ » وعيد من اللّه وتعليم وتنبيه وتذكرة ، ثم قال : ( 233 ) « وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ » يقول : « وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ » بانقضاء العدة على كل وجه كما تقدم « فَلا تَعْضُلُوهُنَّ » يخاطب من يخاطب المرأة من عائلته من أوليائها ، يقول : لا تمنعوهن « أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ » أن ترجع إلى زوجها إذا تراضيا على ذلك بالمعروف ، فهو أحق بها من غيره ، وفي هذه الآية دليل على أن تنكح المرأة نفسها ، وقوله : « بِالْمَعْرُوفِ » يعني : « إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ » بما تجيزه الشريعة من ذلك ، أي على الوجه المشروع ، ثم قال : « ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » الإشارة بذلك لقوله : ( تَعْضُلُوهُنَّ ) ولقوله : ( بِالْمَعْرُوفِ ) في هذه الآية ، العضل في اللسان الأمر الذي لا يطاق لشدته على النفوس ، ومنه الداء العضال وهو الذي لا يطاق علاجه ، يقال عضل الفضاء بالجيش أي ضاق عنه لكثرته فلا يسعه ، وعضلت المرأة إذا نشب الولد في رحمها لضيق المخرج ، وأعضل الأمر إذا اشتد ، يقول : وهذا الوعظ المنزل من اللّه لا يقبله إلا من كان منكم يؤمن باللّه ، أي يصدق باللّه ، إنه عليم بما يكون منكم وقادر على مؤاخذتكم على ذلك « وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » يقول : ويصدق بأن ثمّ يوما بعد انقضاء الدنيا ، يأخذ اللّه فيه من الظالم للمظلوم ، وقوله : « ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ » أي لا تعضلوهن ، وفي حق الزوجين أزكى وأطهر إن تراضيا بالمعروف « وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » أي واللّه يعلم ما ينفعكم عنده فيأمركم به ، وما يضركم عنده فينهاكم عنه « وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » ذلك ، ففي هذا رد على الفلاسفة حيث يزعمون أنهم عالمون بذلك من غير ورود وحي من اللّه ، وأن ذلك من مدارك العقول ، وعند المعتزلة أن بعض ذلك من مدارك العقول ، وبعضه لا يدرك إلا بإعلامه لاشتباهه علينا ، فنفى الحق ذلك بقوله : « وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » نزلت هذه الآية في معقل ابن يسار حين عضل أخته ، وقيل في جابر بن عبد اللّه حين عضل بنت عمه ( 234 ) « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » أمر خرج مخرج الخبر ، يقول : حق على الوالدة رضاع ولدها ، والذي يقول إنه لا يجب عليها ذلك لقوله تعالى : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ) وأنه إنما يجب على المولود له وهو الأب ، يقول : بإيجابه إذا لم يقبل غير ثدي أمه ، أو يكون الوالد معسرا ، فالقرآن أوجب الرضاعة على الأم وأوجب على الأب نفقة